تلوث الخرطوم.. ثقافة بيئية غائبة
https://www.alaraby.co.uk

رفعت الخرطوم رأسها عسى أن يكون علاجها بين مجموعة التعديلات الدستورية الأخيرة… لكن لا شيء، فعادت لتطمر جسدها في النفايات. فالعاصمة السودانية التي كانت حتى عام 1950 الأكثر نظافة بين العواصم الأفريقية، أصبحت من بين أكثر عواصم العالم تلوثاً بالغبار. ويشير الخبراء إلى أنّ ما اعتراها الآن، هو نتيجة هذا الارتباط المريض بأصغر وحدات الدولة، المحليات وفوضاها. فقد أدخلت المحليات نظام شركات النظافة لكنها لم تفلح إلا في تحصيل الرسوم.

تمددت العاصمة أفقياً لتبتلع مزارع كانت تكفي حاجة السكان من الخضر، حولوها إلى أراض سكنية. وتبقت مساحات ضيقة للزراعة، تتم الاستعانة فيها بالمخصبات والمعالجات الكيميائية المورثة لأمراض الكلى والسرطانات، فامتلأت المستشفيات. وحتى منطقة الحزام الأخضر، جنوب العاصمة، التي خصصت سابقاً للتخلص من مياه الصرف الصحي المعالجة، بيعت كأراض سكنية، من دون مراعاة لما قد يصيب سكانها من أمراض بسبب تلوث تربتها.

لم تعد الحشرات من قبيل الناموس والذباب وغيرها تمارس حيلها القديمة من أجل البقاء، إذ لم تعد هناك مكافحة منظمة من قبل وحدات الدولة. فلجان الأحياء الشعبية المكلفة بذلك، تتعلل بأنّ المحليات تتعاقد مع شركات خاصة لجمع النفايات والرش والمكافحة. لكنّ الشركات تقول إنها تعمل وفق عقود ملزمة.. ولو أخفقت لتم إيقافها.. وهنا يتساءل المواطن العادي.. أين الخلل؟

يعدّ امتلاك الحقيقة جزءاً أصيلاً من حقوق المواطنة. وفي ظل هذا الوعي الحقوقي والقانوني الذي أسهمت فيه بقدر كبير، منظمات المجتمع المدني السوداني، أصبح أمر الوعي كفيلاً بتوليد الخطوة الثانية من خطوات التغيير، وهي الاهتمام. ورغم أنّ الدستور السوداني يؤكد أنّ “لأهل السودان الحق في بيئة طبيعية نظيفة ومتنوعة، وتحافظ الدولة والمواطنون على التنوع الحيوي في البلاد وترعاه وتطوره”، إلا أن الاهتمام الرسمي بإنفاذ هذا الحق، يشوبه الكثير من الشوائب.

ويؤكد المهتمون بالشأن أنّ الأولوية القصوى هي بناء ثقافة بيئية لدى المسؤولين أولاً. ثم العمل على ترسيخ السلوك البيئي السليم لدى الجميع. ولضمان مؤسسات تعنى بهذا الشأن، يرى البعض ضرورة فصل القضايا البيئية عن القضايا السياسية، وهو رأي المدير السابق للهيئة القومية للغابات عبد العظيم ميرغني. بينما يرى آخرون اتصال كلّ القضايا ببعضها البعض، لكنّ المسؤولية المجتمعية غائبة. فالسياسي مواطن في الأساس، وإن ضعفت التربية المواطنية- لا الوطنية- لديه، فلن ننتظر من القانون أن يحلّ محل الضمير البيئي.

* متخصّص في شؤون البيئة