تغيّر المناخ، وإمدادات الطاقة في السودان: الفرص والتحديات
A gigantic cloud of dust, locally known as”Haboob”approaching the capital city of Khartoum, Source : CNN news.
بقلم: الجنيد الصديق
نشرت بإذن من مدونة Energy_93

لا شك بأن العالم من حولنا يتغير، وهذا التغيير يجلب تحديات جديدة. إن أبرز التحديات التي تواجه البشر في هذا العصر هي: استهلاك الوقود الأحفوري كمصدر  للطاقة وانبعاثات الغازات الدفيئة، و تأثيرهما  الضار على البيئة، بالإضافة إلى تأثير تغير المناخ على النظام البيئي. إن تغير المناخ وهو أكثر هذه التحديات شيوعا في البلدان المتقدمة، ولكنه أيضاً يسبب العديد من التحديات في البلدان النامية. على سبيل المثال، في بلدي السودان ننعم بوفرة من مصادر الطاقة البديلة (الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والكتلة الحيوية) والتنوع البيئي. ومع ذلك، و مع بالغ الأسف يجب القول  بأن السودان لا يتقدم إلا بخطى بطيئة – إذا افترضنا بأنه يمضي قدماً نحو مستقبل أكثر تطور و إستدامة. . بيد أن هذا لا يعني بان نفقد الأمل. هناك بصيص من الضوء، يرمز إلى الأمل الذي سيؤدي بالتأكيد لدفعنا للخروج من هذا الركود.

كنت أشاهد الأخبار في شبكة سي إن إن في ديسمبر الماضي، تحت عنوان “تغير المناخ يمكن أن يجعل السودان غير صالح للسكن” [1]، و لم أتفاجأ بهذا الخبر . يعتبر  السودان من  البلدان الأقل  نمواً و ذلك يجعله أكثر عرضة  للتغير المناخي والذي ينتج غالباً عن عوامل مناخية و أخرى غير مناخية. إضافة إلى الحروب والصراعات الأهلية، وضعف البنية التحتية ومحدودية فرص الوصول إلى الأسواق التي زادت من الآثار السلبية الناجمة عن تغير المناخ، وبالتالي أضعفت قدرة الناس على التكيف مع تغير المناخ.

إن العوامل غير المناخية التي تسهم في ضعف المجتمعات في مختلف أنحاء السودان تشمل الإدارة غير المستدامة للموارد الطبيعية، العوامل الاجتماعية والاقتصادية مثل: الفقر و النمو السكاني، وقلة التنوع في مصادر الدخل، و التوزيع غير المتساوي للدخل.

خلال العقدين الماضيين، إنخفض  معدل هطول الأمطار في البلاد  بشكل ملحوظ مقارنة بمعدلات 1971-2000،  و يؤدي هذا الانخفاض في معدلات هطول الأمطار إلى الجفاف الذي  يهدد حوالي 19 مليون هكتار من المزارع  الآلية المطرية والتقليدية. و قد أسفر هذا الجفاف عن العديد من الآثار الاجتماعية والاقتصادية السلبية، مثل: الهجرات الداخلية وإنعدام مصادر التغذية . يقع متوسط درجة الحرارة السنوية في السودان  بين 26  إلى 32 درجة مئوية وفي بعض المناطق، تصل إلى 47 درجة مئوية مما يسبب الكثير من الأمراض المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة [2].

يعيش أكثر من 70% من السكان  في المناطق الريفية. [3]، وهي تعتمد أساساً على الموارد الطبيعية التي تعتبر حساسة للغاية في ظل التغير المناخي . إن  الأمن الغذائي يتحدد  بمعدلات هطول الأمطار و التي باتت متغيرة جداً يصعب التنبؤ بها.

فيما يخص ملف الطاقة السودانية تشكل الكتلة الحيوية ما يصل إلى 61% من متطلبات الطاقة في  السودان. غالباً ما تشكل  مصدرا للطاقة الحرارية،  أيضا  تساهم على نحو متزايد في زيادة إنتاج الكهرباء والنقل باستخدام الوقود الحيوي. يبدو جليا بأن هناك إمكانية لزيادة إنتاجية جميع أشكال الطاقة الثلاثة (الطاقة الحرارية  والكهربائية ووقود النقل) من أنواع  مختلفة من  المصادر المستدامة التي تعتبر متوفرة في السودان من الناحية الاقتصادية. بالرغم من ، أن الكتلة الحيوية (مثل الخشب والفحم) تستخدم من أجل توفير الطاقة لأغراض الطهي، و الحرارة الصناعية، فإنها لا تزال و إلى حد كبير تستخدم بطرق أقل كفاءة، وبالتالي تساهم سلباً  في إزالة الغابات وتدهور الموارد الطبيعية [4].

وفي الوقت نفسه، يواجه السودان تغيرا مفاجئا في قطاع وقود النقل، بعد انفصال جنوب السودان في عام 2011، إلى جانب اقتطاع  معظم حقول النفط المنتجة. وتتزايد تحديات الحفاظ على الإمدادات الكافية وتوافر وقود الديزل وغاز الطهي في المناطق الريفية في هذا السياق. نظرا لأن إمكانات السودان في مجال توفير إمدادات بديلة لوقود النقل ووقود الطهي تقبع في المناطق الريفية فانه  يجب إعادة النظر في هذا الأمر. ويلزم تقييم إمكانية استخدام التكنولوجيات الملائمة وإجراء بحوث مستفيضة قبل تمويل أي عملية للانتقال إلى الإنتاج التجاري [4].

وفيما يتعلق بقطاع الكهرباء، فإن نسبة تغطية الكهرباء تبلغ حوالي 30٪ فقط من السكان، حيث أن الشبكة الوطنية السودانية لا تغطي إلا جزءا صغيرا  من البلاد بسبب الطبيعة الجغرافية للسودان. تعتمد معظم المناطق التي لا تغطيها الشبكة بشكل رئيسي على بدائل الطاقة المعزولة مثل الكيروسين والأشكال التقليدية للكتلة الحيوية مثل الخشب. وهذا يسهم بدوره  في تدهور الزراعة وإزالة الغابات في السودان. تمثل الكهرباء فقط حوالي 2٪ من إجمالي استخدام الطاقة في البلاد. وخلال السنوات الست الماضية، تضاعف عدد المستهلكين مع زيادة سنوية بنسبة٪ 12 تشير إلى تقدم في الكهرباء. هناك قيود تقنية واقتصادية تحد من توسيع الشبكة الوطنية للكهرباء إلى المناطق الريفية. ولذلك، يجب النظر في سياسة مد الكهرباء في  الريف [3].

يتم توليد الكهرباء من خلال مزيج من الطاقة الكهربية المائية والتوليد الحراري باستخدام منتجات النفط المكرر. يتم  توليد الطاقة الحرارية بشكل رئيسي من قبل مولدات الديزل التي تتسبب  بارتفاع تكاليف الكهرباء بسبب ارتفاع تكاليف الوقود، كما أنه يسهم في التلوث البيئي المحلي والعالمي من انبعاثات الغازات الدفيئة. وعلاوة على ذلك، فإن الاعتماد على الوقود الأحفوري الباهظ يشكل عائقا رئيسيا أمام التنمية المستدامة للمناطق الريفية: فالتكاليف المرتفعة تؤدي إلى عدم كفاية إمدادات الطاقة التي بدورها تعرقل التنمية الاقتصادية.

ومن المتوقع أن تصل انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بمسار استخدام الطاقة  إلى حوالي 24 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030، أي بزيادة 6 أضعاف عن مستويات عام 2000 (انظر الشكل 3). ويشكل النقل والكهرباء معاً معظم النمو في إنبعاثات الغازات الدفيئة في السودان، حيث أن هذين القطاعين مسؤولان عن حوالي 70٪ من إنبعاثات الغازات الدفيئة المتوقعة بحلول عام 2030 [5].

Fig.(3).Emissions trajectory in tons CO2 equivalent in various sectors [5]

ويتمثل أحد المكونات الرئيسية للتكيف في تنفيذ  تكنولوجيات الطاقة النظيفة التي تساعد المجتمعات المحلية على التكيف مع تغير المناخ، وتحسين الإنتاجية، والمساعدة في زيادة كفاءة استخدام الموارد المهددة مثل المياه. وعلى الرغم من أن السودان يعتبر من الدول  الأقل نمواً، إلا أن السودان يطمح لمكافحة تغير المناخ، ولا يزال ينظر في عملية التخطيط الاستراتيجي للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، أو بالأحرى متابعة آلية التنمية النظيفة. ويعتزم السودان متابعة تنفيذ التدخلات التنموية منخفضة الكربون في ثلاثة قطاعات: الطاقة والغابات والنفايات، بما يتماشى مع الأولويات الإنمائية الوطنية للسودان.

تمتلك مشاريع الطاقة المتجددة في السودان سجل تطبيق ناجح. على سبيل المثال، استخدمت نظم الري بالطاقة الشمسية في الولايات الشمالية والمناطق خارج شبكة الكهرباء، إنطلاقا من فكرة رئيسية هي إستبدال مولدات الديزل التي استخدمت في المشاريع الزراعية. تم تنفيذ هذا المشروع والذي يبلغ عمره 25 عاما،  من قبل مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان،  وبدأ تنفيذ أكثر من 1422 وحدة مضخة شمسية منذ عام 2015. إضافة إلى مشروع مواقد طبخ الغاز الحيوي لتحل محل المواقد العادية ذات الأحجار الثلاثة الأقل كفاءة (والتي لها تأثير سلبي على صحة الإنسان والبيئة) في ولايات غرب السودان. تم كذلك إختيار نفايات الحيوانات المتاحة محلياً كمورد خام لوحدات الغاز الحيوي للأسر [6] [7].

وعلى سبيل المثال، فإن مساهمة السودان في  إتفاق باريس لعام 2015 طموحة جدا (نظراً للظروف الوطنية الراهنة). في قطاع الطاقة، يمتلك السودان برامج عمل مختلفة لتحقيق ثورة الطاقة النظيفة، مثل دمج الطاقة المتجددة في نظام الطاقة من خلال استخدام جميع الموارد المختلفة (20٪ بحلول عام 2030) . وعلى وجه الخصوص، تعتبر الطاقة الشمسية الكهربائية الضوئية وتكنولوجيا محطات الطاقة الشمسية المركزة هي المساهم الرئيسي في مصادر الطاقة المتجددة، مع أكثر من 1000 ميغاواط في المناطق خارج الشبكة بحلول عام 2030. وسوف تلعب طاقة الكتلة الحيوية أيضا دوراً رئيسيا في هذا النقلة، بطاقة 100 ميغاواط. وعلاوة على ذلك، فإن تكنولوجيات الطاقة الحرارية الأرضية (جيوحرارية) والنفايات لديها قدرة توليد ما يصل إلى 400 ميغاواط [2].

يعتبر  تطبيق معايير كفاءة الطاقة في صميم ثورة الطاقة النظيفة .يساهم  الهدف الإرشادي لكفاءة الطاقة الذي يعكس معدل أو قيمة المدخرات في الطاقة الكهربائية المستهلكة في 2016 حتى 2030 -والتي نتجت عن تدابير لتحسين كفاءة الطاقة الكهربائية وترشيد استهلاك الكهرباء-  في توفير الطاقة في حدود 6500 غيغاواط [2].

كمهندس، كنت افكر في بداية الأمر  بأن التكنولوجيا يمكن أن تحل تماماً قضية الطاقة. ومع ذلك، فإنني أؤكد الآن أن تحدي الطاقة هو تحدٍ متعدد الأبعاد و متعدد التخصصات. وبالتالي فيجب معالجته بشكل موضوعي في إطار نهج شامل، والتكنولوجيا هي  إحدى محركات عجلة القيادة. وتعتبر عوامل  الاستدامة، وسلسلة التوريد، وسلسلة القيمة، والأعمال التجارية والنماذج، والاعتمادات الاجتماعية، والأنظمة ورأس المال البشري  متغيرات في  اللعبة  لرسم مستقبل سيناريو الطاقة.

 

References :

[1]. http://edition.cnn.com/2016/12/07/africa/sudan-climate-change/index.html

[2].  Republic of Sudan Intended National Determined Contribution (INDCs)

[3]. Ministry of water resources and Electricity, Republic  of Sudan : Long and Medium terms power system plan.

[4]. A.Lang, H.Farouk : Sudan’s biofuel for transportation Roadmap.

[5]. Sudan’s Second National Communication under the United Nations Framework Convention on Climate Change.

[6]. http://www.sd.undp.org/content/sudan/en/home/ourwork/environmentandenergy/successstories/Solar_Energy_in_Sudan.html

[7].http://www.sudanatts.org/collect/gamia/index/assoc/HASH01fb.dir/concept%20note%20biogas%20haggar.pdf