الشعب المرجانية في البحر الأحمر تتعلق بالحياة
Image Credit; Antonio Busiello Photography
بقلم: مها خليل
إذا ذهبت في رحلة غوص إلى الحيد المرجاني العظيم في أستراليا أوائل العام 2016 أو إلى هاواي قبيل أشهر من ذلك لشهدت منظراً محيراً و مخيفاً. بدلاً عن رؤية الشُعب المرجانية ذات الألوان الزاهية، الوردي و البنفسجي و الأزرق و الأصفر و الأخضر سترى بياضاً كثيفاً تتخلله خيوط من أشعة الشمس التي تبدو وكأنها تبحث عن شئ ما بات موجوداً. إن زرت هذ الأماكن فستكون قد شهدت أطول حدث عالمي لإبيضاض الشعاب المرجانية في التاريخ المدون.

إن ذهبت للغوص في الشق السوداني أو المصري من البحر الأحمر لم تكن لتعلم أن شيئا ما قد حدث. ستبدو الشعاب المرجانية كما كانت عليه دائماً، براقة ملونة و مزدهرة، لماذا؟  وما هو إبيضاض الشعب المرجانية؟

تستجيب الشعاب المرجانية للتوتر بأن تفقد لونها. تصنع هذه الكائنات الدقيقة هياكل من كربونات الكالسيوم التي تسهل على الغواصين رؤيتها-كما تسهل عليهم كسرها إن لم يكونوا حذرين في غوصهم. عادة تكون  الهياكل الكربونية بيضاء اللون وحدها ولكن كائنات دقيقة أخرى (وهي الطحالب) تنمو على تلك الهياكل وتضفي  عليها ألوانها الزاهية التي تميزها. لا تمثل هذه الألوان البراقة تأثيراً جانبياً نسبة للوظيفة الأساسية للطحالب. كما تقوم النباتات بتصنيع غذائها بنفسها، فإن الطحالب تستخدم الطاقة الشمسية لتصنع الغذاء لنفسها وللشُعب التى تعيش على  أنسجتها. بعبارة أخرى، توفر الطحالب للشعاب المرجانية معظم غذائها الذي تحتاجه لكي تعيش و تنمو، و بالمقابل توفر الشعاب الغذاء الأساسي و المأوى للطحالب. ولكن لأسباب يجهلها العلماء، و يبذلون جهداً كبيراً لمعرفتها، فإن الشعاب المرجانية  عندما تمر بتوتر شديد تطرد الطحالب من عليها ولذلك تبدو بيضاء اللون ، وهذا يعني أن الشعاب المبيضة ليست فقط بيضاء بل هي أيضاً جائعة. إذا ما إستمر التوتر لوقت أطول فإن الشعاب ستموت و تكتسي هذه الهياكل البيضاء بوحل بني اللون. هناك أنواع عديدة من التوتر التى يمكن أن  تؤدي إلى إبيضاض الشعاب، ولكن العامل الأساسي الذي يمكنه إحداث إبيضاض عالمي كبير واسع المدى هو إلارتفاع غير العادي في درجات الحرارة. نتيجة للتغير المناخي، تزداد درجات  حرارة المحيطات بمعدل لا تطيقه الشعاب و الكائنات البحرية الأخرى مما يعني أننا سنشهد أحداث إبيضاض عالمية وأن الشعاب المرجانية في كافة أنحاء العالم مهددة بهذا الخطر.

تعتبر هذه الأنباء نواقيس خطر لمئات الملايين من البشر الذي يعيشون على السواحل و يعتمدون على الشعاب المرجانية كمصدر رزق في حياتهم. إن موت قطاعات كبيرة من الشعاب المرجانية متبعة بإبيضاض واسع المدى لا يعني أننا سنفقد فقط تلك الكائنات الجميلة، فإنه حينما تموت الشعاب ستغادر عدد من الأسماك التى كانت تأوى إليها، أو تموت تدريجياً مخلفة نظاما بيئياً أقل إنتاجا و تنوعاً.  كذلك سيفقد الصيادون وأسرهم مصدر غذائهم ورزقهم،  و ستُفقد ملايين الدولارات المدخلة عن طريق السياحة البحرية.  و كما هو الحال فإن شعوب البلدان النامية و الجزر الصغيرة و المجتمعات الساحلية الفقيرة ستكون الأكثر تضرراً من هذه الأحداث.

إن  الإبيضاض العالمي الذي حدث  مؤخرًا كان سببه الإرتفاع غير العادي في درجات حرارة المحيطات . صرحت الرابطة الوطنية لدراسة المحيطات و الغلاف الجوي بالولايات المتحدة  بأن أطول حدث إبيضاض الشعاب المرجانية  في التاريخ المدون بدأ في أواخر العام 2014 و إستمر خلال 2016 في أنحاء متفرقة من العالم . أدت عوامل كثيرة كزيادة الإحترار في مرحلة ال نينيو (مرحلة من الدورة الطبيعية للمناخ ) و إحترار المحيطات نتيجة للإحتباس الحراري الذي تسبب به الإنسان، إلى إحداث إبيضاض واسع المدى.

لقد إبيضت الشعاب المرجانية من فلوريدا إلى البحر الكاريبي  و الحيد المرجاني العظيم و المحيط الهندي و الهادئ بدرجات مختلفة إعتماداً على المنطقة الجغرافية.

إستجابة لهذه الأحداث قام “إكسبوجر لاب” (Exposure Lab)- المنظمة التى قدمت فيلما وثائقياً إسمه  “نطارد الجليد”- بتدشين مشروع عالمي لمراقبة إبيضاض الشعاب المرجانية مستخدمين وسائل التصوير الفوتوغرافي. يهدف المشروع لصناعة فيلم وثائقي لزيادة الوعي بالمخاطر التى تواجهها الشعاب المرجانية من جراء أحداث الابيضاض  . كعالمة بحار مولعة بالتصوير الفتوغرافي تحت المياه ، تطوعت في الصيف الماضي مع هذه المبادرة و إلتقطت صوراً للشعاب المرجانية في الغردقة (مصر) و درست علامات الإبيضاض. أستطيع أن أخبركم بكل سرور أن الشعاب المرجانية في الغردقة بعيدة تماما عن أزمة الإبيضاض العالمي.  كما لم يرد أي تقرير بشأن إبيضاض واسع المدى في كل من شمالي السعودية و إيلات و سيناء و السودان. لم يشتكي أحد من مدربي الغوص-الذين يعملون لعقود طويلة- في الغردقة رؤيتهم للإبيضاض بسبب إرتفاع درجات الحرارة.

Image Credit; Antonio Busiello Photography

يقف البحر الأحمر قوياً و صامداً بألوانه الزاهية في ظل هذه الأحداث العالمية الكئيبة . لم يشهد البحر الأحمر أي إبيضاض خلال العامين 2015 -2016  فيما عدا بعض المناطق  وسط وجنوبي  الساحل في الشق السعودي من البحر الأحمر. و أيضاً لم يصب البحر الأحمر أي إبيضاض في العام 2010  ولكن لماذا؟

يعتبر البحر الأحمر حاراً و معزولاً نسبياً بطبيعته. مقارنة  بالبيئة الملائمة لنمو الشعاب المرجانية  يعتبر البحر الأحمر أكثر دفء و ملوحة مقارنة بغيره من البحار و عليه يعتقد العلماء أن الشعاب المرجانية و الطحالب التى تعيش في البحر الأحمر كونت نوعاً من التكيّف. ويعتبر هذه التكيف سبباً لبقاء الشعاب المرجانية وإستمرارها على قيد الحياة و مقاومتها للإبيضاض .

تعتبر الشعاب المرجانية السودانية في موقف جيد حاليا حيث تقل الأنشطة البشرية كالصيد و السياحة مما يؤدي إلى حمايتها من الإبيضاض. تحوي الشعاب المرجانية  السودانية أعداد كبيرة من الأسماك مقارنة بنظيراتها في الشق السعودي. على عكس  المياه المصرية فإن السودان يحظى بفرصة كبيرة  لإنجاح الخطط العلمية للحفاظ على الشعاب المرجانية قبل إزدهار السياحة البحرية و الغوص في مياهه الإقليمية. كل ما يحتاجه الأمر الإرادة السياسية للحكومة وحينها ستختلف الحالة.

رغماً عن هذه الأنباء الجيدة فإنه من الخطأ الفادح أن نظن بأن البحر الأحمر محمي و محصن ضد إبيضاض  الشعاب المرجانية و التغير المناخي، وكما أسلفت فإن أجزاء من الشق السعودي للبحر الأحمر قد بدأت بالإبيضاض مرتين في السنوات الست الماضية و لئن إستمر إحترار المحيطات فإن خطر الإبيضاض لا محالة  سيزيد. رغماً عن المقاومة المبدئية التي تبديها  الشعاب المرجانية  في البحر الأحمر فإن هذا لا يضمن معافاتها بسهولة إن تعرضت للإبيضاض (لم تظهر الشعاب السعودية المبيضة أي علامات للمعافاة منذ العام 2010) .

إن مقدرة الشعاب المرجانية على التعافي من هذه الإضطرابات أو الإبيضاض يعتمد على عوامل مختلفة و معقدة. تزيد  الممارسات البشرية التى تسبب التوتر- كالصيد الجائر و التلوث و الترسّب من السواحل و الغوص بطرق غير لائقة- من تعريض الشعاب للإبيضاض و تقلل من مقدرتها الموروثة في إسترجاع خواصها الطبيعية إن تعرضت لإضطرابات. وأيضا لابد أن نتذكر أن البحر الأحمر مرتبط بالمحيطات العالمية، وإن العمليات الطبيعية لا تحيدها الحدود السياسية ولذلك فإن الوقاية المحلية لن تؤكد بالضرورة سلامة  البحر الأحمر من الإبيضاض  العالمي و التغير لا يمكن نقله من مناطق أخرى غير محمية. وعليه فإن التعاون الإقليمي أمر لابد منه لحماية البحر الأحمر.

إن إيقاف تأثير  التغير المناخي يتطلب مجهوداً عالمياً تعاونياً للتقليل من إنبعاثات الوقود الأحفوري ولكن هذا لا يعني أنه ليس بامكاننا حماية بحرنا الأحمر محلياً.  إن حماية هذا النظام البيئي البحري من الممارسات البشرية المدمرة ستمكن شعاب  البحر الأحمر من مقاومة التغييرات الناجمة عن التغير المناخي و تضمن إستمرارها على قيد الحياة للأجيال القادمة .

بادر بدعم السياسات المحلية للتنمية المستدامة و حماية البيئة. إن كنت من ممتلكي رخصة الغوص SCUBA  فإذهب في رحلة إلى أعماق البحر الأحمر لتنظر إلى الشعاب الجميلة وإنشر حبك لهذا البحر الجميل!

أن كنت غواصا في السودان و تود المساعدة في مشروع Exposure Lab للشعاب المرجانية، تفضل بزيارة الموقع الإلكتروني و إكتشف كيفية المشاركة.